العيني
280
عمدة القاري
ابن محمد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحرم بالحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد ، ثم لا يحل حتى لا يحل منهما جميعا ، ثم قال : فذهب قوم إلى هذا الحديث ، فقالوا : على القارن بين الحج والعمرة طواف واحد لا يجب عليه من الطواف غيره ، وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا : بل يطوف لكل واحد منهما طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا ، وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذا الحديث خطأ أخطأ فيه الدراوردي فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما أصله عن ابن عمر نفسه ، هكذا رواه الحفاظ وهم مع هذا لا يحتجون بالدراوردي ، عن عبيد الله أصلاً ، فلم يحتجون له في هذا ، فأما ما رواه الحفاظ من ذلك عن عبيد الله ، فما حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا سعيد ابن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : حدثنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر ، أنه كان يقول : إذا قرن طاف لهما طوافا واحدا ، فإذا فرق طاف لكل منهما طوافا ، وسعى سعيا انتهى . ثم قال هذا القائل ، بعد أن نقل كلام الطحاوي ، وهو تعليل مردود ، فالدراوردي صدق ، وليس ما رواه مخالفا لما رواه غيره ، فلا مانع أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين . انتهى . قلت : المردود ما قاله وذهب إليه من غير تحقيق النظر فيه ، فهل يحل رد ما لا يرد لأجل ما قصر فيه فهمه ، وكثر تعنته ومصادمته للحق الأبلج ؟ أفلا وقف هذا على ما قاله الترمذي بعد أن ذكر الحديث المذكور ؟ وقد رواه غير واحد عن عبيد الله ولم يرفعوه ، وهو أصح . وقال أبو عمر في ( الاستذكار ) : لم يرفعه أحد عن عبيد الله غير الدراوردي وكل من رواه عنه غيره ، أوقفه على ابن عمر ، وكذا رواه مالك عن نافع موقوفا ، وقال أبو زرعة : الدراوردي سئ الحفظ ، ذكره عنه الذهبي في ( الكاشف ) . وقال النسائي : ليس بالقوي ، وحديثه عن عبيد الله منكر ، وقال ابن سعد : كان كثير الحديث يغلط . ثم قال هذا القائل : واحتجت الحنفية بما روي عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، أنه جمع بين الحج والعمرة ، فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ، وطريقه عن علي عند عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما ضعيفة ، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه ، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك ، وفيه : الحسن بن عمارة وهو متروك . انتهى . قلت : حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، رواه النسائي في ( سننه الكبرى ) عن حماد بن عبد الرحمن الأنصاري ( عن إبراهيم بن محمد ، قال : طفت مع أبي ، وقد جمع بين الحج والعمرة ، فطاف لهما طوافين ، وسعى لهما سعيين ، وحدثني أن عليا ، رضي الله تعالى عنه ، فعل ذلك ، وحدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك . فإن قلت : قال صاحب ( التنقيح ) وحماد : هذا ضعفه الأزدي ؟ قلت : ذكره ابن حبان في ( الثقات ) وأخرجه الدارقطني من وجوه عن الحسن ابن عمارة ، ثم قال : وهو متروك ، وعن حفص بن أبي داود عن ابن أبي ليلى . وقال حفص : ضعيف ، وعن عيسى بن عبد الله ابن علي ، ثم قال : وهو متروك ، قلت : إذا كثرت طرق الحديث ، ولو كان فيها ضعفاء تتعاضد وتتقوى . وروى الطحاوي أيضا ( عن أبي النضر ، قال : أهللت بالحج فأدركت عليا فقلت له : إني أهللت بالحج أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة ؟ قال : لا لو كنت أهللت بالعمرة ثم أردت أن تضيف إليها الحج ضممته . قال : قلت : كيف أصنع إذا أردت ذلك ؟ قال : تصب عليك إداوة ماء ، ثم تحرم بهما جميعا وتطوف لكل واحد منهما طوافا ) ، وعنه عن علي وعبد الله قالا : القارن يطوف طوافين ، ويسعى سعيين ثم اعترض هذا القائل أيضا على الطحاوي حيث قال ، في قول عائشة : وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة ، فإنما طافوا طوافا واحدا ، أن مرادها جمعوا بين الحج والعمرة جمع متعة لا جمع قران ، بقوله : وإني لكثير التعجب منه في هذا الموضع ، كيف ساغ له هذا التأويل ؟ وحديث عائشة مفصل للحالتين ، فإنها صرحت بفعل من تمتع ، ثم بمن قرن حيث ، قالت : فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا ، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منىً ، فهؤلاء أهل التمتع ، ثم قالت : وأما الذين جمعوا ، إلى آخره ، فهؤلاء أهل القِران ، وهذا أبين من أن يحتاج إلى بيان . انتهى . قلت : هذا الذي ذكره متعجبا أخذه من كلام البيهقي ، فإنه شنع على الطحاوي في كتاب ( المعرفة ) بغير معرفة ، حيث قال : وزعم بعض من يدعي في هذا تصحيح الأخبار على مذهبه ، إنما أرادت بهذا الجمع جمع متعة لا جمع قران . قالت : فإنما طافوا طوافا واحدا في حجتهم ، لأن حجتهم كانت مكية ، والحجة المكية لا يطاف لها قبل عرفة ، وكيف استجاز لدينه أن يقول مثل هذا ، وفي حديثها أنها أفردت من جمع بينهما جمع متعة أولاً بالذكر ، فذكرت كيف طافوا في عمرتهم ثم كيف طافوا في حجتهم ، ثم لم يبق إلاَّ المفردون والقارنون ،